العيني

273

عمدة القاري

مبتدأ . وقوله : ( مثل أحد ) أيضاً كلام إضافي خبره . واحد منصرف لأنه علم المذكر . قوله : ( ومن صلى ) مثل قوله : ( من اتبع جنازة مسلم ) . وقوله : ( ثم رجع ) عطف على : صلى . قوله : ( قبل ان تدفن ) نصب على الظرف ، وأن مصدرية ، والتقدير : قبل الدفن . وقوله : ( فإنه ) خبر المبتدأ ، كما في الأول . قوله : ( من الاجر ) حال من قوله : ( بقيراط ) . بيان المعاني : قوله : ( فإنه يرجع من الأجر بقيراطين ) حصول القيراطن ههنا مقيد بثلاثة أشياء . الأول : الاتباع ، والثاني : الصلاة عليه . والثالث : حضور الدفن . فإن قلت : لو اتبع حتى دفنت ولم يصل عليها هل له القيراطان ؟ قلت : لا ، إذ المراد أن يصلي هو أيضاً ، جمعاً بين الروايتين وحملاً للمطلق على المقيد . وقال النووي : اعلم أن الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت ، فإن انضم إليها الاتباع حتى الفراغ حصل له قيراط ثان ، فلمن صلى وحضر الدفن القيراطان ، ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد ، ولا يقال : يحصل بالصلاة مع الدفن ثلاثة قراريط ، كما يتوهمه بعضهم من ظاهر بعض الأحاديث ، ولأن هذا النوع صريح ، والحديث المطلق والمحتمل محمول عليه ، وأما الرواية التي فيها : ( من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان ) فمعناه : فله تمام قيراطين بالمجموع . ونظيره قوله تعالى : * ( ائنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ) * ( فصلت : 9 ) إلى قوله : * ( في أربعة أيام ) * ( فصلت : 10 ) ثم قال : * ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) * قال : وأما الدفن ففيه وجهان : الصحيح : أنه تسوية القبر بالتمام ، والثاني : انه نصب اللبن عليه ، وان لم يهل عليه التراب . قال : ثم في الحديث تنبيه على مسألة أخرى ، وهو : ان القيراط الثاني مقيد بمن اتبعها ، وكان معها في جميح الطريق حتى تدفن ، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده ، ومكث حتى جاءت الجنازة وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثاني ، وكذا لو حضر الدفن ولم يصل ، أو اتبعها ولم يصل فليس في الحديث حصول القيراط له ، وإنما حصل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة ، لكنه له أجر في الجملة ، وعن أشهب : أنه كره اتباع الجنازة والرجوع قبل الصلاة ، وحكى ابن عبد الحكم عن مالك : أنه لا ينصرف بعد الدفن إلاَّ بالإذن وإطلاق هذا الحديث وغيره يخالفه . استنباط الاحكام : الأول : فيه الحث على الصلاة على الميت واتباع جنازته وحضور دفنه ، وقال أبو الزناد : حض النبي صلى الله عليه وسلم على التواصل في الحياة بقوله : ( صل من قطعك وأعط من حرمك ) . ( ولا تقاطعوا ولا تدابروا ) وعلى التواصل بعد الموت بالصلاة والتشييع إلى القبر والدعاء له . الثاني : فيه أن الثواب المذكور إنما يحصل لمن تبعها إيماناً واحتساباً ، فإن حضورها على ثلاثة أقسام : احتسابا ومكافأة ومخافة . والأول : هو الذي يجازى عليه الأجر ويحط الوزر ، والثاني : لا يعد ذلك في حقه . والثالث : الله اعلم بما فيه . الثالث : فيه وجوب الصلاة على الميت ودفنه وهو إجماع . الرابع : فيه الحض على الاجتماع لهما والتنبيه على عظم ثوابهما ، وهي مما خصت به هذه الأمة . الخامس : فيه حجة ظاهرة للحنفية في أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها ، بظاهر قوله : ( من اتبع ) ، وهو مذهب الأوزاعي أيضاً . وقول علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : وذهب قوم إلى التوسعة في ذلك وأنهما سواء ، وهو قول الثوري وأبي مصعب من أصحاب مالك . وقال بعضهم : وقد تمسك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل ، ولا حجة فيه ، لأنه يقال : تبعه إذا مشى خلفه ، أو إذا مر به فمشى معه ، وكذلك : اتبعه بالتشديد . قلت : هذا القائل نفى حجة هؤلاء بما هو حجة عليه ، لأنه فسر لفظ تبع بمعنيين : أحدهما : حجة لمن زعم أن المشي خلفها أفضل ، والآخر : ليس بحجة عليه ، ولا هو حجة لخصمه . فافهم . ثم الركوب وراء الجنازة لا بأس به ، والمشي أفضل . وقالت الشافعية : لا فرق عندنا بين الراكب والماشي ، يعني في المشي أمامها خلافا للثوري حيث قال : إن الراكب يكون خلفها ، وتبعه الرافعي في شرح المسند ، وكأنه قلد الخطابي ، فإنه كذا ادعى ، وفيه حديث صححه الحاكم على شرط البخاري من حديث المغيرة بن شعبة ، وقال به من المالكية أيضاً أبو مصعب . سؤال : لم كان الجزاء بالقيراط دون غيره ؟ الجواب : إنه أقل مقابل عادة . آخر : لِمَ خص بأحد ؟ الجواب : لأنه أعظم جبال المدينة ، والشارع كان يحبه ، وهو أيضا يحبه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . تابَعَهُ عُثْمانُ المُؤَذِّنُ قال حدّثنا عَوْفٌ عَنْ مُحمَّدٍ عَنْ أبى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبى صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ .